نصر حامد أبو زيد

142

الاتجاه العقلي في التفسير

عليها . ولو رتبت آيات القرآن وسوره حسب ترتيب النزول - بحسب ما تسمح به مصادرنا الحالية عن أسباب النزول - لأمكن حسم كثير من المعضلات التي ترتبط بالدراسات القرآنية بشكل عام . فالقرآن - قبل كل شيء وبعد كل شيء - هو المصدر الوحيد الذي لا يتطرق اليه الشك كمصدر تاريخي لعصر النبوة بشقيه المكي والمدني . ولقد سجّل لنا القرآن في سورة آل عمران هذه المحاولات التأويلية بقوله تعالى : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ ، مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا . يورد الطبري في سبب نزول هذه الآية عدّة أقوال : أولها ما يرويه ابن عباس عن جابر بن رئاب أن معنى « المتشابه » الحروف المقطعة التي في أوائل بعض سور القرآن ، من نحو « ألم » و « المص » ، و « المر » و « ألر » وما أشبه ذلك ، لأنهن متشابهات في الألفاظ ، وموافقات حروف حساب الجمل . وكان قوم من اليهود على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم طمعوا أن يدركوا من قبلها معرفة مدة الإسلام وأهله ، ويعلموا نهاية أكل محمد وأمته » 3 وهي رواية ضعيفة ، وإن كان الطبري يتقبلها ويعضدها ويبني تفسيره كله على أساسها . أمّا الرواية الثانية فيرويها الطبري عن الربيع « قال : عمدوا - يعني الوفد الذين قدموا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من نصارى نجران - فخاصموا النبي صلى اللّه عليه وسلم ( في المسيح ) ، قالوا : ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : بلى ! قالوا : فحسبنا ! فأنزل اللّه عز وجل : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ ثم إن اللّه جل ثناؤه أنزل : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ » 4 . وتبدو هذه الرواية أقرب إلى معنى الآية وإلى سياقها ، فالتعبير القرآني في وصف عيسى بأنه بِكَلِمَةٍ مِنْهُ ( آل عمران / 45 ) كان كفيلا بأن يتخذه النصارى دليلا لهم - من وجهة نظرهم - يحاجون به النبي ، ومن ثم نزلت هذه الآية تقرّعهم على تمسكهم بما يحتمل التأويل . ثم نزلت الآية الأخرى إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ( آل عمران / 59 ) لتفسر لهم ما تشابه عليهم بلفظ واضح صريح لا يحتمل اللبس أو التأويل ، ولتردهم بمحكم القرآن إلى جادة الحق والصواب . وسيتعرّض المعتزلة فيما بعد - خصوصا القاضي عبد الجبار - لتأويل هذه الآيات التي وردت في المسيح وردها إلى المجاز اعتمادا على هذه الآية الأخيرة . ويؤكد ما نذهب إليه من اعتبار هذه الحادثة سببا لنزول آية المحكم والمتشابه أن الآيات الثلاث كلها في